رجعت من
رجعت من جنازة بابا ولقيت الخزنة فاضية: أخويا خد 850 ألف جنيه، بس ماكانش يعرف هو ورث إيه بالظبط مع الفلوس دي.
اليوم اللي دفنا فيه بابا، أخويا دخل بيتنا وأحنا كلنا في الترب بنتدفن بابا، وفضّى الخزنة عالآخر.
لما رجعت أنا وأمي من المدافن في 6 أكتوبر، كان شريط الستان الأسود الصغير لسة متدبس في فستاني. رميت المفاتيح على الترابيزة، ومشيت في الطابق للداخل ولقيت باب الخزنة الحديد مفتوح على آخره.
جوة ماكانش فيه أي حاجة.
لا الأظرف اللي فيها النقدية اللي بابا كان شايلها عشان يدفع للموردين، ولا المبلغ اللي كان حاطه على جنب عشان يقفل حسابات محله في العتبة، ولا الورق اللي كان دايماً يقول إنه هيرتبه في يوم من الأيام.
أمي وقفت مكانها مابتحركش.
أنا مافكرتش كتير، طلعت التليفون وطلبت رقم أخويا الكبير، إسلام. ردت مراته، شيماء.
— إسلام فين؟
— مشغول. لو الموضوع مش مهم، كلميه بعدين.
— البيت اتسرق، الخزنة فاضية!
حصل سكوت قصير، وبعدها سمعت ضحكة باردة.
— أه، الموضوع ده.. محدش دخل البيت، إحنا اللي أخدنا الفلوس.
وشي حاط فيه النار من الغيظ.
— رجعي الفلوس دي فوراً! دي فلوس بابا!
— مستحيل، إحنا خلاص دفعنا جزء من الديون اللي علينا. الـ 850 ألف جنيه دول أنقذونا.
شيماء تنهدت براحة وهي مبسوطة ومكملة:
— حمايا الله يرحمه كان ينفعنا وهو حي، ودلوقتي لازم نشوف مين هيساعدنا.
قفلت إيدي بقوة لدرجة إن أظافري علّمت في كف إيدي.
بابا كان طول عمره كده، مايقدرش يشوف حد في ضيقة ومن غير ما يمد إيده في جيبه، أو يفتح مخزنه أو باب بيته. لو جارنا محتاج مصاريف عملية كان يسلفه، لو زبون في العتبة ظروفه نامت كان يصبر عليه ويعديله، لو ابن عمنا محتاج بضاعة يبدأ بيها كان بابا يشتريها له الأول وبعدين يفكر.
وكام مرة شهامته دي خليتنا بنحسب القرش بالمليم.
وأنا في ثانوي، قعدنا ناكل فول وطعمية وأرز وشعرية أسابيع عشان كان ضامن واحد صاحبه في وصل أمانة والصاحب ده فص ملح وذاب. أمي وقتها نزلت اشتغلت خياطة وماخلتنيش ألمس إن دي مصيبة.
كانت بتقولي دايماً: “أعيش مع راجل يضحكوا عليه عشان طيب، ولا أعيش مع واحد يضحك على الناس عشان يعيش مرتاح.”
مع الأيام فهمت قصدها كويس.. بس إسلام أخويا مافهمش.