رجعت من
إسلام كان أكبر مني بـ 5 سنين، وحوّل طيبة بابا لمصلحة وسبوبة. بدأ يطلب منه فلوس أيام الجامعة، وبعدها عشان عربية، وبعدها عشان فسح، وبعدها عشان يسدد كروت الائتمان، وبعدها عشان مشروع وهمي. ولما اتجوز شيماء، المبالغ كبرت أكتر.
كنت عارفة إن جزء كبير من الفلوس دي بيروح في مطاعم غالية، وشنط ماركات، وسفريات للساحل بيتباهوا بيها على الفيس بوك وإنستجرام.
ولما عاتبته مرة، قال لي: “طالما هو راضي يديني، انتي زعلانة ليه؟ أكون عبيط لو ما استغليتش ده.”
عمري ما نسيت الجملة دي.. ولا نسيت آخر مرة طلبت منه يزور بابا في المستشفى.
مرض السرطان لما جه لبابا كان في مرحلة متأخرة. في أقل من 3 شهور، الراجل اللي كان بيرفع صاج المحل الساعة 7 الصبح ويشيل البضاعة كأنه ابن 30 سنة، بقى محبوس في سرير ومغذي ونفسه بالعافية.
كلمت إسلام:
— بابا بيسأل عليك.
— معاه فلوس هناك؟
افتكرت نفسي سمعت غلط:
— بقولك بيموت!
— يبقى مالهاش لازمة أجي طالما مش هيقدر يساعدني بحاجة.
قفلت السكة في وشه من غير ما أرد.
أمي بقى، كانت جنبه لآخر لحظة. تضحكه، تظبط المخدة ورا ضهره، تبخ مية على شفايفه، وتعمل نفسها مش خايفة. مرة واحدة بس شفتها بتعيط لوحدها في المطبخ وهي ماسكة كوباية الشاي بإيديها الاتنين عشان ما ترتعش.
بابا اتوفى الفجر.
إسلام وشيماء ما جوش العزا.. ولا جاو المدافن.
وفِي الوقت اللي كنا بنودع فيه بابا، كانوا هما بيفتحوا الخزنة.
— شيماء، لو الفلوس دي ما رجعتش أنا هبلغ الشرطة.
شيماء ضحكت تاني:
— اعملي اللي يعجبك، أمك عارفة أبكي كويس، وكان أكيد هيديهاملنا لو طلبناها.
وفجأة أمي، اللي كانت ساكتة جنبي، قالت جملة جمدت الدم في عروقي:
— قولي لها شكراً.
بصلتها بذهول:
— إيه؟
أمي مدّت إيدها:
— هاتي التليفون.
ديتهولها بالكتير من الصدمة.
— شيماء، شكراً إنكوا أخدتوا الفلوس.. بجد، انتوا عملتوا فينا جميل.
شيماء اتفاجئت زيي تماماً:
— أا.. العفو.
— انبسطوا بيها على قد ما تقدروا.
أمي قفلت السكة.
أنا انفجرت فيها:
— يا أمي دول سرقوا شقا بابا!
قعدت على الكرسي، فتحت شنطتها السودا وطلعت ظرف أبيض أنا ماكنتش شفته قبل كده.
— لا يا بنتي.. هما بس اختاروا هيرثوا إيه من أباكي.