حكايات زهره الربيع ٢

القوة بتاعة أمي كانت غريبة، ودني بدأت تزن والعتمة بدأت تقفل عيني.. بس في اللحظة دي، سمعنا صوت صرخات وعربيات وسارينات بوليس بتعدي من الشارع الرئيسي للمولد، وصوت ناس بتجري.

محمود كان قدر يوصل للناس في سرادق المداحين وهو بيغرق في دمه، وصرخ فيهم: “الحقوا! في ناس في خطر ورا السكة الحديد!”

الناس والشباب بتوع المولد دخلوا الزقاق بالمشاعل، وأول ما النور ضرب في الزقاق، شافوا أمي وهي محاصرة على الأرض والفلوس متطيرة حوالينا في التراب.

أربعة رجالة هجموا عليها وابعوها عني، وأنا قعدت أكح وأتنفس بالعافية والدموع نازلة من عيني زي المطر.

أمي فضلت تصرخ في الناس: “سيبوني! دي بنتي وأنا أحق بيها!”

بس الناس مسكوها، وفي ثواني كان البوليس ورجال المباحث وصلوا لمكان الواقعة.

خرجوا أحلام ومحمود سالمين. جدتي جابوها من البيت وهي بتصرخ، أول ما شافت أحلام عايشة واقفة على حيلها، وقعت على ركبها في الشارع ودموعها نزلت تصب: “أحلام؟! بتي أحلام حية؟! يا فجرِك يا صفية.. يا فجرِك يا ظالمة!”

البوليس فشت المكان، ولقوا ورق ومستندات وعقود وإيصالات أمانة بين أمي وبين شبكة مشبوهة. اتكشف السر كله.. أمي كانت متورطة مع شبكة لتجارة البشر وبتستغل الموالد والزحمة عشان تسلم البنات وتستلم الفلوس، وتهرب في كل مرة بحديث “تاهت مني في المولد”.

جدتي كانت عارفة ومخبية خوفاً من الفضيحة ومن تهديد أمي ليها، وده السر اللي كان مكتوم بينهم ثماني سنين.

أمي اتسحبت بالكلابشات وسط نقمة الناس وشتائم أهل البلد كلهم، والبرود المرعب اللي كان على وشها تحول لكسرة وحسرة بعد ما كل مخططاتها اتهدمت والفلوس اتصادرت وتم تحويلها للجهات المختصة.

أحلام نقلت إلى المستشفى وقعدت شهور تتعالج من آثار الحبس والرطوبة والجوع، بس كانت كل يوم تمسك إيدي وتقولي: “أنا صحيت من الكابوس يا عبير.. رجعت لك تاني.”

وبعد ستة أشهر..

وقف محمود في شقته الجديدة، كتافه متخيط ومُعلم بالندبة، بس عيونه كانت بتلمع بالفرحة. لبست فستاني الأبيض، وأحلام كانت واقفة جنبي هي وجدتي يسرحولي شعري زي زمان، بس المرة دي ما كانش فيه خوف ولا ضلمة.

صدر ضد أمي الحكم القضائي العادل، والبلد كلها نسيتها وكرهت سيرتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *