حكايات زهره الربيع ٢
الراجل هجم عليه، ومحمود بدأ يدافع عن نفسه. أصوات المعافرة شعللت المكان ورا السكة الحديد. أنا لميت باقي قوتي وضربت باب العربية بظهري ورجلي لحد ما اللسان الصدي بتاعه اتكسر والباب اتفتح على وسعه، وقعت على الأرض وأحلام ورايا.
فكيت رباط رجلي بسرعة وفكيت أحلام، وقومتها من على أرض العربية. أحلام كانت ضعيفة جداً وجسمها بيهتز، بس مسكت في إيدي زي ما كانت بتقولي زمان: “ما تسيبيش إيدي يا عبير”.
في الوقت ده، محمود قدر يبعدهم عنه، بس واحد منهم هجم عليه وسبّب له إصابة في كتفه! محمود صرخ ووقع على ركبه. الراجل قرب منه تاني وهو بيصرخ: “مش ه تخرجوا من هنا أحياء!”
من غير ما أفكر، رفعت حجارة كبيرة تقيلة من على شريط السكة الحديد، وجريت وضربت الراجل في ظهره ودماغه عشان أمنعه من إيذاء محمود! الراجل اتطوح ورجع لورا ووقع على الأرض مغمى عليه.
محمود كان ماسك كتفه وبيتنفس بصعوبة، بص لنا بذهول ودموعه نازلة: “إنتي حية يا أحلام؟! 8 سنين وأمي صفية بتقول تاهت وماتت؟! إيه اللي بيحصل هنا?!”
قلتله وأنا بشده من إيده وأحلام ماسكة فيا من الناحية التانية: “قوم يا محمود! قوم بسرعة أمي هي اللي بايعانا! أمي اتفقت على بيعنا من زمان!”
وفجأة.. النور الملون بتاع المولد اللي جاي من بعيد اتعكس على خيال واقف فوق التبة الطينية المطلة على الخرابة.
كانت أمي.. صفية!
واقفة فوق، في إيدها الشنطة السودا، وعيونها الجافة الميتة بتبص لنا وثغرها مقلوب بابتسامة غريبة.
صوت أمي طلع حاد وهادي في نفس الوقت، صوت يخرم العظم من برودته: “فاكرة يا عبير لما قلتلك هفسحك في المولد؟ المولد ده هو النهاية لكل حاجة.. أبوكم مات وسابلي الورث طين، وأعمامكم طردوني، وأنا مش هسيب حد فيكم يعيش بعد ما عرفتوا السر! لو البوليس عرف.. أنا اتقبض عليا، ولو عشتوا هتفضحوني!”
محمود كان بيأن من وجع كتفه، والدم بيخر منه على التراب، مسك إيدي وإيد أحلام وهو بيحاول يقف: “جروا ناحية السور المهدوم! السرادق وراه ناس، صرخوا بعالي الصوت!”
بس الدخان والزحمة كانوا مغطيين على المكان. أحلام وقعت على ركبها، صدرها اللي أكلته الرطوبة والحبس ثماني سنين ما كانش قادر يستحمل، وكانت بتكح وتمسك في فستاني بكل قوتها: “سيبيني يا عبير.. انجي انتي ومحمود، أنا كدة كدة ميتة من زمان.. سيبيني هنا!”