عزومه حكايات رومانى مكرم 1
عينيها وسعت من الصدمة، وزعقت أكتر: “نعم؟ تعبانة إيه ودلع إيه؟ أنتِ فاكرة نفسك فين؟ ده بيتي والكلمة كلمتي! لما أقول قومي تعملي أكل للضيوف يبقى تقومي ورجلك فوق رقبتك! ولا فاكرة إنك لما تزعلي وتعملي لي فيها مكسورة الخاطر هسيبك براحتك؟”
جوزي خرج من الحمام، ولما شاف الموقف، بدل ما يهدّي أمه أو يراعي إني مريضة، بص لي بنظرة قسوة وقال: “في إيه يا هانم؟ من أولها كده هتبدأي تعاندي وتعملي مشاكل؟ قومي شوفي أمي عايزة إيه وبلاش شغل الجنان ده!”
الموقف كان أشد من طاقة أي بني آدم. وقفت في نص الصالة، وشفت المطبخ اللي قضيت فيه أحلى أيام شغفي وأنا بعجن وبطبخ بحب، بقى بالنسبة لي سجني ومشنقتي. دخلت المطبخ وأنا حاسة بإن كرامتي بتتداس كل ثانية بفضل سكوتي. بدأت أطبخ وأنا جسمي كله بيترعش من القهر. عملت الأكل وأنا مش حاسة بطعمه، والدموع بتنزل على الخضار والمحشي اللي بحضره.
على الضهر، البيت اتملى بأهل حماتي.. اختها وعيالها وقرايبها من البلد. دخلوا وهي بتستقبلهم بالأحضان والضحكات العالية، وقعدوا يتسامروا ويضحكوا. وأنا جوة المطبخ، زي الخدامة تماماً، بأكل وبغسل وبمسح. ولا حد منهم يكلف نفسه يسألني: “أنتِ عاملة إيه؟” أو حتى يساعدني بكباية مية.
وبعد ما خلصوا الأكل، خرجت ألم الصحون. سمعت أخت حماتي بتقول لها بصوت واطي: “والله يا أختي العروسة دي مطيعة وشغالة كويسة، بس شكلها زعلانة ومبوزة ليه كده؟”
ردت حماتي بصوت عالي وبكل قسوة عشان أسمعها: “سبيكي منها يا أختي، دي حركات بنات اليومين دول، فاكرة نفسها جاية تتستت وهي حتة بت لا راحت ولا جارت، وما حيلتهاش حاجة.. أنا اللي أعمل لها قيمة وأنا اللي أكسر مناخيرها عشان تعرف إن الله حق!”
الكلمات دي كانت بمثابة الرصاصة اللي قتلت أخر أمل جواه.. حسيت إن الدم غلى في عروقي. طقطق جواه شيء، ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، حسيت إن السكوت لم يعد أدباً، بل جُبناً وخيانة لنفسي ولأهلي اللي اتربيت على كرامتهم.
جمعت الأطباق كلها، وأنا إيدي بتتنفض.. ودخلت المطبخ. قفلت الباب عليا. وقفت قدام المراية الصغيرة اللي متعلقة في المطبخ، وبصيت لوشي.. الشحوب، الهالات السودة تحت عيني، والكسرة اللي في ملامحي.. قلت لنفسي: “أنتِ مش دي.. أنتِ بنت فلان اللي اتربت على العز والكرامة، ومفيش بني آدم على وش الأرض له الحق إنه يكسرك بالشكل ده.”