عزومه حكايات رومانى مكرم ٣
مسكت الجواب بإيدين ثابته، ما فيهمش نقطة رشة ولا خوف. فتحت الظرف الخفيف، وخرجت منه ورقة دبلانة ومكرمشة، مكتوبة بخط إيد جوزي اللي كان بيترعش وهو بينقش الحروف جوة زنزانته.
كان كاتب:
“إلى فلانة.. الست الوحيدة اللي ظلمتها ودمرت حياتي لما بعتها عشان أوهام أمي. أنا بكتب لك الجواب ده وأنا خلاص بعاني سكرات الموت بالبطيء جوة السجن. أنا عرفت إن أمي وخالي اتكتب عليهم الحبس في قضية سرقة أرض أباكي.. وعرفت إن ربنا أخد حقك مننا واحد واحد وبأبشع طريقة. أنا مش بطلب منك تسامحيني، لأن الذنب اللي عملته فيكي وفي أهلك ما يغتفرش.. بس بكتب لك عشان أريح ضميري من أخر سر كان مكسور جواه.”
“السر يا فلانة.. إن العزومات اللي كانت أمي بتجبرك تعمليها من أول أسبوع جواز، ما كانتش عزومات لله ولا محبة في القرايب.. أمي كانت متفقة مع العيلة كلها على إنهم يضغطوا عليكي ويستهلكوا صحتك وفلوس أباكي اللي كانت بتاخدها مني، عشان نطفشك ونخليكي تطلبي الطلاق بنفسك وتتنازلي عن كل حقوقك وذهبتك وقائمتك! هما كانوا فاكرين إنك بنت غلبانة ومكسورة الجناح وهتهربي وتسيبيلنا الجمل بما حمل.. بس هما جهلوا إن وراكي راجل زي أباكي وأخوكي، وجهلوا إن ربنا ما بيسيبش حق مظلوم.”
“أنا تنازلت رسمياً عن أي دعوى أو ورقة، وبعت لك مع المحامي ورقة إبراء ذمة شاملة، وبقر فيها إنك أخدتي كل حقوقك وزيادة.. وأمي خلاص أخدت جزاها وبقت معزولة عن الدنيا كلها. سامحيني لو قدرتي.. ولو ما قدرتِيش، فحقك في رقبتي ليوم الدين.”
نزلت الورقة على الترابيزة.. وبصيت للأفق من شباك أودتي. ما حسيتش بغل، ولا حسيت بشماتة.. حسيت ببرودة ونقاء عجيب بيغسل قلبي. العدالة الإلهية لما بتتدخل، بتمحي كل أثر للوجع والكسرة.
جه يوم المحاكمة الكبرى.. الجلسة اللي جمعت حماتي، وابنها، وأخوها النساب في قفص اتهام واحد.
وقفت أنا وبابا وأخويا في قاعة المحكمة المليانة بالناس والأهالي. القفص اتفتح، ودخلوا الثلاثة..
حماتي كانت ماشية بصعوبة، كبرت عشر سنين في بضعة أسابيع، شعرها شاب، وشها انكمش، وعينيها زي الشمع المطفي. أخوها كان مطأطأ رأسة في الأرض من الخزي والفضائح اللي لاحقته في البلد. وجوزي كان واقف في زاوية القفص، لابس بدلة السجن، وعينيه مثبتة عليا بنظرة حسرة وألم ما توصفش.