ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم ٢
قطعت كلامه بنبرة هادية وبصوت ثابت ما فيش فيه ذرة تردد:
— “الحب اللي بيتهان بالضرب والتقليل ميبقاش حب يا ابن الناس… الحب أمان، وأنت كنت الخوف. الاعتذار مابيرجعش الكرامة اللي اتهدرت، ومابيمسحش القلم اللي انضرب. كتر خير الظروف إنها كشفتك بدري… طلقني واستغفر ربنا.”
المأذون بص له وهز رأسه بأسف، وطلب منه يوقع على دفتر الطلاق.
مسك القلم وإيده بتمشي على الورق ببطء شديد، كأنه بيكتب نهاية كبريائه ونفوذه بنفسه. وقع، وبعدها المأذون أداني القلم… مسكت القلم ووقعت اسمي الثلاثي بوضوح وخط عريض وثابت.
قال المأذون كلمته الشهيرة:
— “بارَكَ اللَّهُ لَكُما وعَلَيكُما… وبِذلكَ تَمَّ الطَّلاقُ شَرعاً وقانوناً.”
في اللحظة دي بالذات، حسيت كأن جبل ثقيل جداً انشال من فوق صدري، تنفست بعمق لأول مرة من تلت شهور… خرجت شهيق حرية نقي صافي.
قمت وقفت، وأخذت وثيقة الإشهاد المؤقتة والأوراق ومعي دهبي وحقوقي كاملة.
جوزي قام وقف قدامي وقال بنبرة مليانة ألم:
— “أنتي خسرتي راجل كان ممكن يحميكي من الدنيا…”
رديت عليه بابتسامة نصر وشموخ:
— “بالعکس… أنا كسبت نفسي، واللي تكسب نفسها عمرها ما تخسر. الراجل اللي يحمي ست، مبيكونش هو أول مصدر لخوفها وإهانتها. ربنا يسامحك على اللي عملته، بس طريقنا انتهى هنا.”
أخته قربت مني والدموع في عينها:
— “سامحيني يا دكتورة… أنا ما كنتش أتمنى الموضوع يوصل لكده.”
طبطبت على كتفها وقلت لها:
— “أنتي هتفضلي زميلة عزيزة، بس اللي حصل كان لازم يحصل عشان كل واحد يعرف قدره.”
خرجت من مكتب المأذون مرفوعة الرأس، والشمس كانت بتبدأ تغرب وتبعث ألوان أرجوانية وذهبية في السماء. ركبت العربية مع الأستاذ عبد المجيد وطلعت على طول على شقة أبويا.
فتحت باب الشقة القديمة بالمفتاح، بس المرة دي ما كانش فيه عفرة ولا ريحة هجر. في اليومين اللي فاتوا، كنت جبت شركة نظافة نظفت الشقة بالكامل، ودهنت الصالة بلون أبيض ناصع، وغيرت الإضاءة، وشغلت قرآن بصوت هادي يملأ المكان بركة وأمان.
دخلت الصالة، وقفت قدام صورة أبويا وأمي. بصيت لملامحهم، وحسيت إنهم بيتبسموا لي من ورا الإطار، وكأن أبويا بيكلمني وبيقولي: “عفارم عليكي يا دكتورة… شرفتي اسمي ورفعتي رأسي في غيابي.”