كذبت علي ابويا1

## الفصل الثالث: الصندوق الأسود لم ينم سيف تلك الليلة. المفتاح القديم والرسالة الغامضة فتحا أمامه أبواباً من الشك لم تكن في الحسبان. من هذا الذي يعرف عن “أمانة” والدته؟ وكيف وصلت الرسالة إلى عتبة شقته بهذه السرعة؟ في الصباح الباكر، كان سيف يجلس في مكتب الأستاذ شاكر. وضع المفتاح والرسالة على المكتب وسأل بحدة: “يا متر، هل أمي سابت حاجة تانية غير العمارة والوصية؟”

ارتبك شاكر للحظة، عدّل نظارته ونظر للمفتاح بذهول: “المفتاح ده.. أنا شفته قبل كده. رحاب الله يرحمها كانت دايماً شايلاه في السلسلة بتاعتها. بس هي مابلغتنيش بمكان أي خزنة تانية. الرسالة دي بتقول إن فيه سر ‘تحت الأرض’.. وده تعبير ممكن يقصد به قبو العمارة، أو حاجة مدفونة في مكان تاني.” قطع حديثهما رنين هاتف سيف. كان المتصل رقمًا مجهولًا. أجاب سيف: “أيوة؟” جاءه صوت أنثوي مألوف، لكنه كان يرتجف: “سيف.. أنا نادية.” ضحك سيف بسخرية: “نادية هانم؟ خير، مكاتب الشركة لسه قدامها مهلة للإخلاء، مستعجلة ليه؟”

قالت نادية بصوت خفيض: “أبوك اتجنن يا سيف.. هو دلوقتي بيجمع رجالة وعايز يهد جدران في بدروم العمارة. سمعته بيكلم حد وبيقوله ‘الخريطة بتقول إنها هنا’. سيف، أنا مش فارق معايا غير ابني كريم، أبوك لو دخل في السكة دي هيضيعنا كلنا. اهرب يا سيف أو اتصرف، فؤاد مش هيسيبك تاخد اللي هو عايزه.” اندفع سيف بسيارة أجرة نحو العمارة. قلبه يدق بعنف. وصل ليجد سيارتين مصفحتين أمام المدخل، ورجالاً يمنعون السكان من الدخول.

تجاهل سيف الجميع ودخل من الباب الخلفي للمطبخ الذي يوصل للقبو. كانت رائحة التراب والعفن تملاً المكان. سمع صوت ضربات “أجنة” وشواكيش ثقيلة في نهاية الممر المظلم. هناك، رأى والده فؤاد يقف ببدلته الفاخرة التي غطاها الغبار، وهو يشير لعمال يكسرون حائطاً خرسانياً قديماً خلف مواسير المياه. سيف بصوت جهوري: “بتعمل إيه هنا يا فؤاد بيه؟ إنت بتدمر ملكية خاصة!”

التفت فؤاد، وكانت عيناه جاحظتين بشكل مخيف، لم يعد ذلك الرجل الرزين. صرخ: “ملكية إيه؟ أمك ضحكت عليا! قالتلي إن الجوازة دي هي اللي هتعملني ملك القاهرة، وفي الآخر خبت ‘الكنز’ تحت رجلي وراحت سابتلك إنت المفتاح! بس أنا عرفت الطريق.. الخريطة اللي سابها جدك كانت ناقصة حتة، والحتة دي ورا الحيطة دي!” سيف ببرود: “إنت مريض يا بابا. مفيش كنوز، فيه بس طمعك اللي عماك.” في تلك اللحظة، انهار جزء من الحائط، لكن لم يخرج ذهب ولا مجوهرات. خرج “صندوق حديدي” أسود صغير، محفور عليه شعار قديم لعائلة والدته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *