كذبت علي ابويا1

فتحت الباب. استقبلني هواء القاهرة السخن وصوت العربيات اللي ما بيهداش. خرجت… من غير ما أبص ورايا. وأقسمت بيني وبين نفسي: لما أرجع… مش هرجع بصفتي الابن اللي اترمى بره البيت. هرجع بصفتي المالك الحقيقي لكل حاجة. مشيت في شوارع القاهرة بالشنطة ورايا، والأضواء منعكسة على إزاز العمارات والعربيات. المدينة زحمة كعادتها… بس لأول مرة حسيت إني لوحدي فعلًا. الموبايل اهتز برسالة. كانت من خالتي منى:

“حضرت العشا يا سيف… إنت فين؟” غمضت عيني للحظة. خالتي منى كانت آخر حد باقيلي بعد موت أمي. الوحيدة اللي كانت تسألني أكلت ولا لأ. الوحيدة اللي فاكرة عيد ميلادي كل سنة. والوحيدة اللي كانت بتناديني باسمي… مش “ابن فؤاد”. بعتلها: “جاي في الطريق.” وصلت شقتها الصغيرة في مدينة نصر بعد حوالي ساعة. فتحت الباب أول ما شافتني. لكن ابتسامتها اختفت فورًا لما شافت الشنطة. قالت بقلق: “سيف؟ حصل إيه؟”

بصيتلها شوية… وبعدين قلت بهدوء: “أبويا طردني.” شهقت بسرعة، ومسكت دراعي ودخلتني الشقة وقفلت الباب. بعدين بصتلي وقالت: “عمل إيه؟” طلعت موبايلي وشغلت التسجيل. امتلِت الشقة بصوت نادية: “ما تخليهوش يحس إن ليه قيمة من غير العمارة.” وبعدين صوت أبويا البارد: “لما يجوع وينام في الشارع… هيعمل اللي أنا عايزه.” قعدت خالتي ببطء على الكنبة. إيديها كانت بتترعش وهي ماسكة كباية الشاي. ولما التسجيل خلص… حطت إيدها على بوقها، ودموعها نزلت.

همست بصوت مكسور: “رحاب اختارت الشخص الغلط فعلًا…” وبعدين مسكت إيدي وقالت: “اسمعني كويس يا سيف… طول ما أنا عايشة، عمرك ما هتنام في الشارع.” ولأول مرة من شهور طويلة… حسيت بالأمان. مش عشان المشكلة خلصت. لكن عشان أخيرًا لقيت حد واقف جنبي من غير مقابل. تاني يوم الصبح صحيت على ريحة العيش السخن والشاي باللبن. خرجت من الأوضة لقيت خالتي مجهزة الفطار بنفسها. جبنة قديمة. بيض. وكوباية شاي بريحة الهيل.

قعدت أبصلها وهي بتتحرك في المطبخ الصغير… وفجأة افتكرت أمي. نفس طريقة تحضير الشاي. ونفس نظرة القلق في العين. بلعت الغصة بالعافية. وقلت بهدوء: “عندي كام حاجة لازم أخلصهم النهارده.” بصتلي خالتي وكأنها فاهمة كل حاجة. سألتني سؤال واحد: “متأكد من اللي هتعمله؟” هزيت راسي. المرة دي… ماكنتش بتصرف بعاطفة. كنت بحسبها صح. خرجت بعدها على مركز طباعة. فتحت موقع النتيجة. 98.7٪.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *