وحت أتبرع بكليتي لجوزي وفى اليوم اللي لبسوني فيه الروب الأزرق بتاع المستشفى ،الممرضة قربت مني و وشوشتنى يا مدام، أتأكدى إنك عارفة مين اللي هيستلم العضو بتاعك. رديت عليها بثقة جوزي طبعاً، هيكون م… روحت أتبرع بكليتي لجوزي وفى اليوم اللي لبسوني فيه الروب الأزرق بتاع المستشفى ،الممرضة قربت مني و وشوشتنى يا مدام، أتأكدى إنك عارفة مين اللي هيستلم العضو بتاعك. رديت عليها بثقة جوزي طبعاً، هيكون مين يعني؟الممرضة اتسمرت في مكانها ونزلت عينيها في الأرض وقالت لا يا مدام.. الاسم اللي مكتوب هنا اسم تاني خالص. أنا اسمي مريم، عندي 43 سنة، ساكنة في عزبة النخل في بيت صغير على قدي. سنين طويلة قضيتها ببيع طعمية وسندوتشات قدام مدرسة ابتدائي؛ في البرد والمطر والحر اللي يهد الحيل، عشان في الدنيا دي اتعلمت إن جوع العيال مبيستناش حد. جوزي سيد كان شغال سواق دليفري. طول عمره كان راجل ناشف وقليل الكلام، بس كنت بقول في سري يا بت بكره ينصلح حاله، أكيد قلبه طيب. خلفنا شهد، عندها دلوقتي 8 سنين، وهي الحاجة الوحيدة النضيفة اللي طلعت بيها من الجوازة دي. كل حاجة بدأت تتهد لما سيد تعب وجاله فشل كلوي. البداية كانت رجليه اللي بتورم. بعدها الهمدان اللي مبيسيبوش. وبعدين المشاوير اللي مابتخلصش للمستشفيات الحكومي، والتحاليل، وجلسات الغسيل، والممرات الزحمة وريحة الكلور والقهوة المغلية في المكن. الدكتور قال مفيش حل غير زرع كلية. مترددتش ثانية واحدة. وقلت لو فصيلتي تمشي معاه، أنا هتبرع. سيد حتى ما فكرش يحــ,,ـــــضنني ولا يشكرني. بص لأمه الحاجة زكية. الحاجة زكية ربعت إيديها واتنهدت كأني أخيراً عملت حاجة عدلة في حياتي وقالت أيوه كدة، ده اللي كان ناقص. . بعد السنين اللي طفحتي فيها من خير ابني، أقل واجب تنقذي حياته. الكلمة نزلت في صدـ,,ـــري زي السكــ,,ـــــينة، بس سكت. لأني طول عمري ساكتة. لما شهد كانت صغيرة وأرجع من الشغل ريحة إيدي زيت وخضرة، كانت تقول يا عيني على ابني اللي اتجوز بياعة طعمية. ولما القرش يقل، تقول مريم مابتفهمش في التدبير. ولما سيد يرجع وشيرته ريحتها برفيوم حريمي مش بتاعي، تقول يا بنتي الراجل بيزهق من الوش اللي بيشوفه كل يوم. كنت بسكت.. بس كنت بشيل جوايا. سجلت مكالمات. صورت رسايل. شلت فواتير. اتعلمت إني أحمي نفسي لما لقيت مفيش حد بيحميني. رحلة التبرع كانت تهد الحيل. سحبوا مني دم لما دراعي ازرقّ. إشاعات، تحاليل، مقابلة أخصائية اجتماعية، توافق أنسجة.. كنت بخرج من المستشفى أقف على العربية أبيع طعمية عشان المصاريف مابتستناش. سيد في الشهور دي بقى حنين زيادة عن اللزوم. زيادة أوي. بقى يجيبلي قهوة، يقولي يا بطلة، يمسك إيدي قدام الدكاترة. بس في البيت كان وش تاني خالص. قالي ليلة وأنا بطبق الغسيل اوعي ترجعي في كلامك يا مريم، إنتي خلاص دخلتي في الجد. قلتله مش هرجع، بس خايفة. رد بحدة أنا اللي خايف، أنا اللي بمــ,,ـــــوت! الكلمة وجعتني، قلتله ما أنا كمان داخلة غرفة عمليات يا سيد. رمى قميصه على السر,,ـــــير وقال ببرود بلاش دراما، دي كلية. قلتله مش هرجع، بس خايفة. رد بحدة أنا اللي خايف، أنا اللي بمــ,,ـــــوت! الكلمة وجعتني، قلتله ما أنا كمان داخلة غرفة عمليات يا سيد. رمى قميصه على السر,,ـــــير وقال ببرود بلاش دراما، دي كلية.. مش قلبك يعني!الجملة دي فضلت محفورة في قلبي. لأنه كان شايف جسمي مجرد قطع غيار. أول حاجة غريبة حصلت كانت يوم خميس. الحاجة زكية جات ومعاها دوسيه أصفر وادته لسيد في المطبخ. وأنا بغسل المواعين لمحت ورقة عليها اسمي، وتحت اسمي كان مكتوب اسم ياسين. سألتهم مين ياسين ده؟حماتي قفلت الدوسيه بسرعة وقالت ده عيل في المستشفى، إنتي إيه اللي حشر مناخيرك في اللي مالكيش فيه؟قلت لها أنا شفت اسمي مكتوب. سيد قام وقف بسرعة دي إجراءات ورقية يا مريم، إنتي مش هتفهمي في لغة الدكاترة، بلاش أوهام. مسكت نفسي وسكت. بالليل، وسيد في الحمام، فتشت جيوب بنطلونه. لقيت ورقة مطبقة فيها عنوان في المهندسين وملحوظة بخط إيده الجمعة الساعة 6.. هاتي شهادة ميلاد ياسين. صورت الورقة بالموبايل.. ومطقتش بكلمة. يوم الجمعة مشيت وراه. أيوة، مشيت وراه زي الستات المجنونة اللي كان بيقعد يتريق عليهم. ركبت ميكروباص ولبست كاب بتاع شهد ونضارة شمس رخيصة. سيد نزل في شارع هادي في المهندسين، عمارات قديمة وشجر عالي. ضــ,,ـــــرب جرس شقة. فتحت له ست صغيرة في السن. لا كانت ممرضة، ولا دكتورة. كانت زي القمر، شعر طويل، ضوافر حمراء، ولابسة روب ستان بمبي. ومن وراها طلع ولد صغير رفيع، يجي عنده 8 سنين، شايل في إيده لعبة ديناصور. الولد صرخ بفرحة بابا!.. واترمى في حــ,,ـــــضن سيد. حسيت إن الأرض بتلف بيا. بابا؟سيد جوزي؟وقفت في ركن الشارع، رجلي بتترعش وضــ,,ـــــربات قلبي زي الطبول. شاله والست حطت إيدها على كتفه ودخلوا وقفلوا الباب. فجأة كل حاجة نورت في دماغي..................... وقف الزمن في المكان ده. الشارع كان هادي ورائحة الشجر العالي طالعة مع نسيم بليل، وأنا واقفة في الركن ورا شجرة تحميني من عيون الناس، وجمالي كله مات في اللحظة دي. الكلمة فضلت ترن في ودني زي صدى صوت في بئر مهجور: "بابا!".. الولد أبو ثمان سنين اللي شايل ديناصور، كان بيقول لسيد "بابا".. نفس سن شهد بنتي! نفس الشقا ونفس الملامح ونفس النظرة. رجلي ما شالتنيش. قعدت على الرصيف وسندت ضهري على سور العمارة مجروحة، إيدي بتترعش وأنا ماسكة التليفون اللي صوّرت بيه العنوان. الدموع ما نزلتش، كانت المحروقية في صدـ,,ـــري أكبر من أي دموع. طلعت الموبايل وإيدي بتخبط في الشاشة، صوّرت العمارة من بره، واليافطة اللي متعلقة جنب الباب، وصوّرت جرس الشقة اللي مكتوب عليه بخط يده: "سيد عبد الرحمن". كان كاتبه بنفس الخط اللي بيسجل بيه مصاريف عربية الدليفري. وقفت وصحيت من صدمتي على صوت عقل بيقولي: "الدموع مش هتجيب حق شهد، الدموع هتضيع الكلية وتضيع حياتك". مسحت وشي بأطراف طرحتي، ومشيت بعيد عن العمارة بخطوات قتيلة، وركبت الميكروباص راجعة عزبة النخل. مسحت وشي بأطراف طرحتي، ومشيت بعيد عن العمارة بخطوات قتيلة، وركبت الميكروباص راجعة عزبة النخل. طول الطريق والميكروباص بيتزق في الزحمة، كنت بفتكر كل كلمة قالتهالي الحاجة زكية، كل تريقة، كل مرة كانت تقولي فيها "ابني سيد يستاهل سيدات المجتمع، مش بياعة طعمية"، وكنت بفتكر إصرارها إن الدوسيه الأصفر يفضل مستخبي. وصلت البيت قبل ما سيد يرجع. دخلت أوضة شهد، لقيتها نايمة وغرقانة في النوم، وحاطة إيدها تحت خدها. قعدت جنبها ومسدت على شعرها، وحلفت في سري إني مش هسمح لأي حد ياخد حقي ولا حق البنت دي. طلعت أجندة قديمة كنت بشيل فيها فواتير الزيت والصويا وورق عربية الطعمية، وفتحت الموازنة الجديدة.. موازنة الانتقام. بعد ساعة، سمعت صوت المفاتيح في الباب. سيد دخل، كان شكله مجهد بس في عينيه لمعة غريبة، لمعة واحد بيخطط لحاجة كبيرة. دخل المطبخ ورما نفسه على الكرسي وقال بصوت تمثيل متقن: * "تعبان يا مريم.. المستشفى والتحاليل جابوا أجلي، والدكتور بيقول لو ما زرعناش الكلية الأسبوع الجاي، الوضع هيساء أوي."طلعت من المطبخ وبصيت في عينيه بثبات ما عرفتوش في نفسي قبل كده، وقلتله: * "سلامتك يا سيد. . الف سلامة عليك. كل حاجة مترتبة ومتقفلة، والدكاترة مطمنين. "قرب مني ومسك إيدي، الإيد اللي كان بيرميها ويقول ريحتها زيت وقلي، وقال بنبرة حنينة زيادة عن اللزوم: * "إنتي الأصيلة يا مريم.. العيلة دي كلها كوم وإنتي كوم، أنا مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه."سحبت إيدي ببطء وكأني بعدل الطرحة، وقلتله: * "ربنا يقدم اللي فيه الخير.. أنا رايحة أنام عشان ورانا مشوار مبكر للمستشفى بكره."في الليلة دي ما غمضليش جفن. قعدت ألمح الرسايل القديمة والتسجيلات. أفتكرت لما كان بيرجع ورائحة البرفيوم الحريمي طالعة منه، ولما كانت الحاجة زكية بتقول "الراجل بيزهق". الرسامة الكبيرة كانت مكتملة، بس الناقص كان تفاصيل اللعبة الكبيرة اللي يلعبوها عليا. تاني يوم الصبح، الحاجة زكية جات البيت. كانت لابسة عبايتها السمرا ومتشيكة، ومجهزة شنطة فيها مصاحف وأدعية، وتمثيلية الخوف على ابنها كانت واصلة للقمة. قعدت على الكنبة وقالت: * "يا مريم.. الدكتور قال إن الأوراق خلاص اتعلم عليها في وزارة الصحة، وكل حاجة جاهزة. إنتي متأكدة إنك مش خايفة؟"رديت وأنا بصب الشاي: * "أخاف من إيه يا حاجة؟ ده واجبي تجاه جوزي وأبو بنتي.. ولا إنتي شايفين حاجة تانية؟"اتربكت الحاجة زكية وبصت لسيد بسرعة، وقالت: * "لا يا حبيبتي.. واجب ونص، ربنا يجعله في ميزان حسناتك."بعد الضهر، استأذنت وقلت رايحة أشتري حاجات للمطبخ وأجيب علاج لشهد. بس رجلي ما راحتش السوق، راحت لمكتب محامي قديم في المطرية، راجل طيب وكبير في السن اسمه الأستاذ عبد المجيد. قعدت قدامه وحكيت له كل حاجة، من أول عربية الطعمية، لغاية الولد أبو ديناصور، والدوسيه الأصفر، واسم "ياسين". الأستاذ عبد المجيد حط النظارة على مناخيره، وبص في الأوراق والرسايل اللي صوّرتها، وسكت شوية وبعدين قال: * "يا مريم.. القانون صارم جداً في موضوع نقل الأعضاء. ممنوع منعا باتا نقل أي عضو من حي لحي إلا إذا كان في قرابة شديدة أو موافقة صريحة من اللجنة الطبية العليا، وبشرط إن التبرع يكون بدون مقابل وإنه يروح للشخص المحدد في الأوراق. "الجملة نزلت عليا زي الثلج. * "يعني إيه يا أستاذ؟ يعني كليتي مش هتتزرع لسيد؟ "الأستاذ عبد المجيد اتنهد وقال: * "الولد اللي اسمه ياسين ده.. لازم نعرف أصله إيه، ورابطه إيه بسيد. أرجحي إنه ابنه من جوازة تانية في السر، أو إنه بيبيع الكلية بتاعتك لحد تاني بمبلغ خيالي عشان يعالج ابنه أو يستفيد بالفلوس! سيد مش بيمــ,,ـــــوت من الفشل الكلي ولا حاجة، أو يمكن بيغسل صوريا.. لازم نتــ,,ـــــحرك بسرعة وبحرص."خرجت من عند المحامي وأنا حاسة إن الدنيا كلها ملعوبة. قررت أبدأ أبحث بنفسي. رحت العمارة بتاعة المهندسين تاني يوم الصبح. وقفت مستنية من بدري لحد ما شفت الست نازلة ومسك إيد الولد عشان توديه المدرسة. روحت أتبرع بكليتي لجوزي وفى اليوم اللي لبسوني فيه الروب الأزرق بتاع المستشفى ،الممرضة قربت مني و وشوشتنى يا مدام، أتأكدى إنك عارفة مين اللي هيستلم العضو بتاعك. رديت عليها بثقة جوزي طبعاً، هيكون م… مشيت وراها من بعيد لغاية ما وصلت باب المدرسة الفاخرة اللي في آخر الشارع. استنيت لما دخلت الولد ورجعت، وربت على كتفها فجأة وقلت: * "لو سمحتي يا مدام.."الست لفت، كانت حلوة أوي، وبشرتها ناعمة، وبصتلي باستعلاء وهي شايفاني بلبسي البسيط وطرحتي القطن: * "أفندم؟ مين حضرتك؟"طلعت الموبايل ووريتها صورة سيد وهو قاعد في صالة بيتها، وقلت بصوت هادي بس ثابت: * "أنا مرام.. جوزة سيد عبد الرحمن الأهلية. وعايزة أعرف إيه علاقتك بيه، ومين ياسين؟"الست اتصدمت، وشها جاب ألوان، ولفت حواليها خايفة حد من الجيران يشوفها، ومسكت إيدي بسرعة وقالت: * "تعالي معايا. . نتكلم في الكافيه اللي هناك ده بلاش في الشارع."قعدنا في كافيه هادي. الست كان اسمها "رانيا". اتكلمت بانهيار وخوف، واكتشفت المأساة الحقيقية. رانيا كانت متجوزة سيد عرفي من تسع سنين! يعني قبل ما يخلف معايا شهد تقريباً، أو في نفس الوقت! ياسين ابن سيد الشرعي والوحيد في نظر رانيا، بس الولد فعلاً كان يعاني من فشل كبدي وكلي حاد وبيصارع المــ,,ـــــوت من سنة!رانيا قالت وهي بتبكي: * "سيد قالي إنه هيتصرف. . قالي إنه لقى متبرع متطابق تماماً في الأنسجة، وإن المتبرعة دي ست غلبانة ومحتاجة فلوس وهو دفع لها مبلغ كبير عشان تتنازل عن كليتها لياسين! قالي الأوراق خلصت باسم ياسين سيد عبد الرحمن، وإن العملية هتتم في مستشفى خاص كبير بعد ما تنقل من المستشفى الحكومي!"الدم هرب من جسمي. سيد كان بيبعني! كان بياخد كليتي، وبياخد جسمي اللي اتهد في بيع الطعمية، عشان يديها لابنه من مراته التانية، وكان مفهمني إنه هو اللي بيمــ,,ـــــوت! وكان متفق مع دكتور فاسد في المستشفى الحكومي يزيف أوراق الفحوصات والتحاليل ويحول التبرع باسم الولد "ياسين" تحت بند "حالة إنسانية طارئة" أو باستعمال توكيل مزور!سألتها بصوت خفيض: * "وسيد.. تعبان فعلاً؟ "سيد ارتبك شوية وقال: * "أه.. أصل المستشفى الحكومي إمكانياتها ضعيفة في الزرع، فالمستشفى الخاص هتعملها على حساب التبرعات والحالة الطارئة. . إنتي عارفة أنا غلبان."ابتسمت ابتسامة مكسورة وقلتله: * "عارفة يا سيد.. عارفة كل حاجة."في الأيام اللي سبقت العملية، بدأت أجهز لخطتي بالتنسيق مع الأستاذ عبد المجيد. ما بلغتوش إني كشفت اللعبة كاملة، ولا واجهت سيد ورانيا، عشان ما يهربوش أو يغيروا الخطة. كنت عايزة أقفشهم بالدليل القاطع، قدام ربنا والقانون، وفي اللحظة اللي يفتكروا فيها إنهم نجحوا. أخدت شهد بنتي، ووديتها عند اختي في البلد، وقلت لها متسلميهاش لأي حد مهما حصل، حتى لو كان سيد نفسه. وجاء اليوم الموعود. يوم الأحد.. دخلت المستشفى الحكومي الكبير في القصر العيني عشان الفحوصات النهائية والتجهيز للنقل. سيد كان ماشي معايا، بيمثل دور الزوج الخايف والشفوق، والحاجة زكية كانت ماشية ورايا بتدعي بصوت عالي وتوزع قرص على العمال كأنها نذر!دخلوني أوضة التحضير. غيرت هدومي، ولبست الروب الأزرق بتاع المستشفى. قعدت على السر,,ـــــير والأجهزة حولي، وسيد وقف جنبي ومسك إيدي وقال: * "سامحيني يا مريم لو كنت قسيت عليك في يوم. . إنتي بتنقذي حياتي."بصيت في عينيه وقلت في سري: "أنا بنقذ نفسي منك ومن قذارتك."سيد خرج عشان يخلص أوراق الخروج والنقل الفوري بعربة إسعاف للمستشفى الخاص اللي متفقين فيه مع الدكتور الفاسد. الحاجة زكية خرجت وراه عشان تجيب شاي من الكانتين. الأوضة فضيت عليّ. وفجأة، الباب اتفتح ببطء. دخلت ممرضة سمرا، شكلها طيب ووجهها فيه حزن، كانت شايلة دوسيه التحضير الطبي والبطاقة الشباكية للعملية. قربت مني، وبصت في اليافطة المكتوبة على السر,,ـــــير، وبعدين بصتلي بعيون فيها شفقة وخوف شديد. وطت عليا، ووشوشتني بنبرة مرعوبة: * "يا مدام.. أتأكدي إنك عارفة مين اللي هيستلم العضو بتاعك! "رديت عليها بثقة تمثيلية، وعيني في عينها: * "جوزي طبعاً.. هيكون مين يعني؟ سيد عبد الرحمن."الممرضة اتسمرت في مكانها، ونزلت عينيها في الأرض بصدمة، وارتعشت إيدها وهي ماسكة الورق، وقالت بصوت واطي ومخنوع: * "لا يا مدام.. الاسم اللي مكتوب هنا في أمر نقل العضو وأوراق اللجنة الطبية.. اسم تاني خالص!"قلبي دق بسرعة، بس المرة دي مش من الصدمة، المرة دي كانت لحظة الصفر اللي استنيتها!سألتها بثبات شديد: * "اسم مين يا أبلة؟ قوليلى متخافيش. "فتحت الممرضة الدوسيه وراوتني الورقة، وقالت وهي بتبص ناحية الباب خايفة حد يدخل: * "مكتوب الطفل: ياسين سيد عبد الرحمن.. والتقرير الطبي مكتوب فيه إنك متبرعة غير أقربائية بمقابل مادي وموافتك موثقة بتوكيل! والولد محول حالياً لغرفة العمليات في المستشفى الخاص اللي هيترفلها العضو فور استئصاله منك هنا!"مسكت إيد الممرضة وقربتها مني وقلت لها بصوت قاطع كالحديد: * "أنا مجمعتش ولا مليم، والتوكيل ده مزور، والجوازة دي فيها نصابين. . اسمعيني كويس يا أبلة، إنتي جالك الحق عشان تنقذي ست مظلومة. الموبايل ده فيه تسجيلات وتصوير، والأستاذ عبد المجيد المحامي والشرطة واقفين بره المستشفى مستنيين الإشارة مني!"الممرضة شهقت وحطت إيدها على بؤها: * "شرطة؟!"قلت لها: * "أيوة شرطة الأموال العامة ومباحث المستشفيات. سألتها بثبات شديد: * "اسم مين يا أبلة؟ قوليلى متخافيش. "فتحت الممرضة الدوسيه وراوتني الورقة، وقالت وهي بتبص ناحية الباب خايفة حد يدخل: * "مكتوب الطفل: ياسين سيد عبد الرحمن.. والتقرير الطبي مكتوب فيه إنك متبرعة غير أقربائية بمقابل مادي وموافتك موثقة بتوكيل! والولد محول حالياً لغرفة العمليات في المستشفى الخاص اللي هيترفلها العضو فور استئصاله منك هنا!"مسكت إيد الممرضة وقربتها مني وقلت لها بصوت قاطع كالحديد: * "أنا مجمعتش ولا مليم، والتوكيل ده مزور، والجوازة دي فيها نصابين. . اسمعيني كويس يا أبلة، إنتي جالك الحق عشان تنقذي ست مظلومة. الموبايل ده فيه تسجيلات وتصوير، والأستاذ عبد المجيد المحامي والشرطة واقفين بره المستشفى مستنيين الإشارة مني!"الممرضة شهقت وحطت إيدها على بؤها: * "شرطة؟!"قلت لها: * "أيوة شرطة الأموال العامة ومباحث المستشفيات. دلوقتي هتدخلي سيد والحاجة زكية الأوضة كأن كل حاجة ماشية طبيعي، وتقوليلهم إن الدكاترة جاهزين لنقلي على الترولي.. وأنا هخلي اللحظة دي هي نهاية كل الكذب ده!"الممرضة هزت رأسها بالوافقة وهي بتمسح عرقها، وخرجت من الأوضة. فضلت قاعد على السر,,ـــــير، الروب الأزرق حاساه زي درع المحارب مش زي لبس المريض. بصيت للسقف وطلعت تليفوني، وبعت رسالة واحدة للأستاذ عبد المجيد:"ادخلوا. . الضحية جاهزة والمجرمين في المصيدة."بعد دقيقتين، الباب اتفتح. دخل سيد وعلى وشه ابتسامة النصر المسمومة، ووراه الحاجة زكية وهي بتمسح بقها من الشاي وبتدعي بتمثيل: * "يلا يا مريم يا حبيبتي.. عربية الإسعاف تحت جاهزة عشان ننقل للمستشفى التاني ونخلص من الهم ده!"سيد قرب مني ومسك الترولي وقال بتمثيل: * "يلا يا بطلة.. دقائق والشر هيزول، وهنرجع نعيش أحسن من الأول أنا وإنتي وشهد."قعدت عدل على السر,,ـــــير، وبصيت له ببرود تام، وشلت الخرطوم المظبوط في إيدي، وقلت له بصوت هز الأوضة كلها: * "وشهد؟ ولا ياسين ورانيا يا سيد؟ "سيد اتجمد في مكانه. الابتسامة اختفت من وشه، وعينيه توسعت برعب. الحاجة زكية ايدها اترعشت ووقع منها كوباية الشاي الورق على الأرض. سيد بلع ريقه بالعافية وقال بصوت متقطع: * "إنتي.. إنتي بتقولي إيه يا مريم؟ مين ياسين ومين رانيا؟ إنتي أتلخبطتي من الخوف ولا إيه؟"وقفت من على السر,,ـــــير، وقلعت الروب الأزرق وراميتها في وشه، وطلعت الموبايل وفتحت الميكروفون على أعلى صوت، وشغلت تسجيل بصوته وهو بيتفق مع رانيا على الـ 200 ألف جنيه ثمن كليتي، وتسجيل تاني للحاجة زكية وهي بتقول "خلصنا من البياعة وخدنا منها اللي عايزينه لابن رانيا"! صوتهم كان طالع في الأوضة يصرخ بالكذب والغدر. إنتي بتسجلي لنا؟ ده إحنا سترناكي وجوزناكي!"قلت لها بصوت مرتفع وواثق: * "سترتموني؟ أنا اللي كنت بصرف عليكم من عرق جبهتي وطعميتي! أنا اللي كنت بشيل القرف والاهانة عشان خاطر بنتي! وانتم كنتم بتخططوا تسرقوا جسمي وبيعوا أعضائي!"سيد هجم عليا وعينيه فيها شر، ومسكني من دراعي بقوة وقال بجلط: * "إنتي مش هتمشي من هنا! العملية هتتعمل غصبا عنك! الأوراق ممتدة والتوقيعات موجودة والتأمين مخلص! إنتي فاكرة نفسك مين؟ إنتي مجرد..."وقبل ما يكمل كلمته، الباب اتكسر ودخل الأستاذ عبد المجيد، ووراه ضابط شرطة بزي رسمي واثنين من أمناء الشرطة، ومعاهم مدير المستشفى والأطباء المسؤولين! الضابط زعق بصوت هز الممر: * "سيب إيدها يا جدع انت! حركة واحدة وهتترس هربان!"سيد ساب إيدي ورفع إيديه لفوق وهو مرعوب وشكله كأنه صرصار اتصبت عليه مية نــ,,ـــــار. الحاجة زكية وقعت على الأرض وبدأت تصوت وتستغيث: * "الحقونا يا ناس! الست دي متبلية على ابني! ده راجل مريض بيمــ,,ـــــوت!"الأستاذ عبد المجيد قدم ملف كامل للضابط ومدير المستشفى وقال: * "سيادة النقيب. . ده ملف التزوير الكامل. توكيلات مزورة، إقرارات تبرع منسوبة للزوجة بدون علمها لصالح طفل غير مقرب قانونا بالتبرع المباشر، وتجارة أعضاء بشرية بمقابل مادي مثبت بالصوت والصورة، وتواطؤ مع طبيب في المستشفى الخاص. "مدير المستشفى الحكومي بص للأوراق بذهول ورعب، وبص لسيد وقال: * "أنت كنت بتستغل المستشفى عشان تمشي عمليات تزوير وأعضاء؟ عليّ النعمة لأحبسكم كلكم!"الضابط أشار لأمناء الشرطة: * "كلب-ش المته-م.. والست دي كمان تاخدوها على البكس."سيد وهو بيتكلبش كان بيصرخ وبيبصلي بعيون كلها كره وخوف: * "يا مريم! حرام عليك! ده ابني بيمــ,,ـــــوت! ياسين بيمــ,,ـــــوت يا مريم! ارحميني وارحميه!"قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بمنتهى القسوة والثبات وقلتله كلمة واحدة هزت كيانه: * "بلاش دراما يا سيد.. دي كليتي، مش قلبي يعني!"