سلفتى ٢ أمانى السيد
وشه احتقن ومقدرش يرد، شاور بصباعه وهو خارج كأنه عايز يتوعد، بس الرعب شل لسانه لما افتكر إن خيوط رقبته كلها لسه في إيدي. خطى عتبة الباب، وبحركة واحدة سريعة، رزعت الباب في وشه وقفلت بالترباس، صوت الرزعة سمع في العمارة كلها، وكان معلن نهاية كابوس قعد على نفسي سنين.
اتلفتت للصالة، لقيت فادي وإخواته واقفين، باصين للباب المقفول وبعدين بصوا ليا. فادي قرب مني، مسك إيدي وباسها، حسيت برعشة في إيده بس عينه كانت مليانة راحة:
«خلاص يا ماما؟ مش هيدخل هنا تاني؟ مش هنسمع كلام طنط عزة تاني؟».
نزلت لمستواه، حضنته وحضنت إخواته بكل قوتي، دموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع غسلت قلبي من كل وجع فات:
«خلاص يا قلب أمك.. البيت ده بتاعكم، وأمكم هنا هي السند وهي الحماية، ومفيش مخلوق هيخليكم توطوا راسكم بعد النهاردة أبداً».
قمت، دخلت المطبخ، فتحت الشباك على آخره وخليت شمس ربنا تملا كل زاوية، طلعت الفلوس اللي كانت محرمة عليا وعلى ولادي، ونزلت بيهم بنفسي السوبر ماركت؛ اشتريت كل اللي نفسهم فيه، فادي جاب طقم الكورة اللي كانت عزة حرمته منه، وإخواته اتملت إيديهم باللعب والحلويات، ورجعنا البيت وإحنا بنضحك بصوت عالي، ضحكة رنت في المنور ووصلت لودان عزة تحت عشان تعرف إن البيوت عمرها ما كانت بالخبث ولا بالسرقة.. البيوت بتعمر بالكرامة، والكرامة لما بترجع لصاحبتها، بتدوس على كل اللي افتكروا إنهم ملوك على قفا غيرهم.
مرت الأيام وبانت حقيقة كل واحد على أصلها، والأيام دي تحديداً كانت أعدل قاضي شفته في حياتي.
أبو فادي، الراجل اللي كان داخل شقتي نافخ صدره ومستقوي بحرمة أخوه، لقى نفسه في يوم وليلة مرمي في الشارع بحق وحقيق، الشنطة اللي كان ناوي يطردني بيها بقت هي كل ما يملك. رجع قعد عند أمه تحت في أوضة مكركبة في بيت العيلة، بعد ما حمايا وإخواته قفلوا عليه كل الأبواب ورفضوا يدولّه مليم أحمر من أرباح العيلة أو يمسكوه قرش، وبقى عايش بينهم زي خيال المآتة؛ عينه مكسورة، وراسه مدلدلة في الأرض، وسيرته على لسان القريب والغريب بعد ما اتفضح إنه كان بيجري ورا أرملة أخوه وعينه في مال الأيتام.
النفقة اللي كان مستكترها على ضناه، بقى يدفعها كل أول شهر غصب عنه من على جزمته، يتخصم نص مرتبه من وظيفته قبل ما يلمسه، والباقي مكنش بيكفيه حتى مصاريف دخانه وشاياته على القهاوي. عزة، اللي كان فاكرها ملاك التدبير والست اللي مالية مركزه، أول ما شافت عزه اتقصقص وجيبه نشف ومبقاش منه رجا، قفلت بابها في وشه وما بقتش حتى تطلع له كوباية شاي! أدرك بس بعد فوات الأوان إنها ما كانتش شايفاه راجل ولا شارياه، دي كانت متخذاه درع وسُلم بتتسلق بيه على قفايا وقفا ولادي، ولما وقع السلم، داست عليه برجلها وكملت طريقها، وهي نفسها اتحاصرت في شقتها، كبار العيلة عينوا عليها حارس من أعمام ولادها يستلم القرش بالورقة والقلم، فاتقفلت عليها حنفية الطمع وبقت عايشة في نبذ وخزي محدش بيعبرها.