سلفتى ٢ أمانى السيد
مشيت خطوتين ناحية ترابيزة الصالة، سحبت محفظته من جيبه بهدوء من غير ما يجرؤ يمنعني، فتحتها وطلعت منها كل الفلوس اللي معاه، ورجعتله المحفظة فاضية في إيده وقلتله:
«من اللحظة دي، البيت ده له ست واحدة.. أنا. المصروف في إيدي، مفتاح الشقة دي مفيش نملة تدخل منه غير بإذني، فادي وإخواته طلباتهم أوامر عليك وعلى أي حد، وعزة دي.. لو لمحت ضلها بس على عتبة السلم مش هرحمك ولا هرحمها. وعشان ترتاح، أنا مش طالبة طلاق، أنت هتفضل قاعد هنا، تخدم ولادك وتشتغل وتجيب القرش على الجزمة، كفارة للذل اللي عيشتهوني، وهتعيش طول عمرك هنا.. خدام لكرامتي اللي فكرت تدوس عليها».
بصلي وهو مكسور، قعد على أول كرسي قابله وحط راسه بين إيديه في صمت تام، صمت المغلوب على أمره اللي خسر كل حاجة في لحظة كبر وغرور.
فتحت باب أوضة ولادي، لقيت فادي قاعد بيبصلي ومبتسم بفخر، عينه بتلمع بعد ما سمع كل حرف من ورا الباب، وشاف أمه وهي بتسترد هيبتها وتكسر اللي كسروا خاطرها. طبطبت على كتفه وابتسمت، وخرجت وقفت في بلكونتي أتنفس الهوا النضيف، وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن البيت ده بيتي، والسما دي سمايا، وإن حق المظلوم لما بيتاخد بالعقل والدهاء، بيكوي قلب الظالم مية مرة أكتر من ألف قلم على وشه.
قعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطيت رجل على رجل وأنا باصة لشكله وهو حاطط راسه بين إيديه زي العيل التايه اللي أمه ضاعت منه في مولد.
فضلت ساكتة دقيقة كاملة، دقيقة كان صوت عقارب الساعة فيها أتقل من الجبال على قلبه. كنت بتأمله؛ الراجل اللي سنين عمري راحت في خدمته، اللي فضلت مستحملاه ومستحملة عوج لسانه وقلة أصله، اللي فضل عزة عليا وكسر بخاطري وخاطر ولاده.. الراجل ده بقى في عيني أصغر من نملة ماشية على الحيطة. حسيت بعفانة روحه، وعرفت إن القعاد في نفس الهوا اللي بيتنفسه ده خسارة في صحتي وعمري.
رفعت راسي وقلت بنبرة هادية أوي، أهدى من ريح الفجر:
«أنا غيرت رأيي يا أبو فادي».
شال إيده من على وشه بلهفة، عينه كان فيها أمل غبي إنه يلاقي في كلامي رجعة ولا تسامح، فسأل بصوت مخنوق ومكسور:
«غيرتي رأيك في إيه يا حنان؟ قولي اللي يرضيكي وأنا هعمله.. وحياة ولادنا ما هتشوفي وش عزة تاني، ولا كلمة هتطلع إلا بإذنك، البيت ده كله تحت أمرك».