حكاية نور ٢

داخل الغرفة، كانت سارة تنظر للقلم الممدود نحوها. لم تكن سارة التي ركبت السيارة الصباح هي نفسها المرأة الواقفة الآن. الخوف الذي تملكها طوال الأسابيع الماضية، وآثار القطرة المخدرة التي جعلتها تهلوس وتنسى، استُبدلت بدفعة غضب عارمة وشديدة البأس. تذكرت أبناءها الذين كانوا سيرمون في الشارع أو يتم إيداعها في مصحة نفسية كما كان يخطط زوجها أحمد.

مدت سارة إيدها ببطء شديد، وأخذت القلم من يد مراد.
ابتسم المحامي بانتصار وقال: “عاقلة.. طول عمرك عاقلة يا سارة. امضي هنا وهنا…”

لكن بدلاً من التوقيع، رفعت سارة يدها بكل قوتها، وغرست سن القلم الجاف الحاد في كتف مراد بكل ما أوتيت من غل وحقد!

صرخ مراد صرخة مكتومة متأالماً وسقط الملف من يده وهو يتراجع للخلف ممسكاً بكتفه الذي أخذ ينزف بغزارة. سارة لم تنتظر؛ قفزت من على السرير، وسحبت المزهرية زجاجية الثقيلة الموضوعة بجانب الفراش، وضربته بها على رأسه بقوة جعلته يترنح ويسقط أرضاً بين الكراسي.

في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الغرفة بعنف شديد، ودخل حسام وسلاحه ممدود للأمام، وتلاه ثلاثة من رجال الشرطة والممرضين الذين هرعوا على صوت الصراخ والتحطيم.

وقف حسام مبهوراً ومصدوماً من المنظر؛ مراد المحامي الموقر ملقى على الأرض يتخبط في دمائه والملفات والأوراق البيضاء والمزورة تتناثر حوله، وسارة تقف فوقه والمزهرية المكسورة في يدها، تنفسها يعلو وهابط وعيناها تلمعان بقوة لم يراها فيها من قبل.

“سارة!” صرخ حسام وهو يركض نحوها ويحضنها بقوة، بينما انقض رجال الشرطة على مراد، وأثبتوا القيد الحديدي في يديه وهو يصرخ ويتأوه من الألم وينزف.

سارة وهي بين أحضان أخيها، تنفسها متسارع، أشارت بسبابتها المرتعشة نحو الملفات الملقاة على الأرض: “مراد هو اللي زور كل حاجة يا حسام.. مراد كان متفق مع سامح وأحمد، وكان عاوز يجبرني أوقع على تنازل عن كل حاجة تحت التهديد بـ عيالي!”

الضابط المسؤول جثا على ركبتيه وجمع الأوراق والملفات المتناثرة، وبدأ يقلب فيها بسرعة، لتتسع حدقتا عينيه وهو يرى الأوراق الأصلية المحتفظ بها مراد خلافاً للقانون، والتسجيلات الصوتية المفرغة والمراسلات بينه وبين سامح وأحمد التي كانت مخبأة في طيات الحقيبة الجلدية!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *