حكاية نور ٢
“المحضر ده هيكتمل بليلة مش هتنساها المحاكم يا حسام،” قال الضابط وهو ينظر لمراد المكبّل. “الأوراق دي كفيلة بتبديد كل عقود سامح، وإثبات جناية التزوير والشروع في القتل ضد الأربعة بالكامل!”
تم سحب مراد وهو يترجل في الممر مذلولاً ومجلوداً بنظرات الممرضين والمرضى الذين تجمعوا على الصوت، بينما جلس حسام بجانب سارة يمسح على رأسها ويهدئ من روعها، لكن سارة التفتت إليه وقالت بصوت جاف صارم: “سامح فين يا حسام؟ سامح قال إنه يقدر يوصل لعيالي في المدرسة!”
أخرج حسام جهاز اللاسلكي من حزامه وقال بنبرة واثقة: “اتطمني يا سارة.. المدرسة محاصرة بفرقة كاملة من الصبح، وسامح أتقبض عليه من عشر دقائق في المطار وهو بيحاول يهرب للشرقية بعد ما عرف إن القوة تحركت لشقته!”
أغمضت سارة عينيها وأسندت رأسها على الحائط الداكن للغرفة. استشعرت لأول مرة منذ شهور طويلة أن الهواء يدخل إلى رئتيها نائياً ونقياً، وأن الكابوس الذي عاشت فيه غافلة كاد أن يقضي عليها، لكنه أيقظ في جوهرها امرأة لن تجرؤ أي قوة على استغفالها مجدداً.
ولكن، بين الهدوء الذي ساد الغرفة وأصوات سرينات الشرطة التي كانت تبتعد تدريجياً وهي تحمل العصابة إلى مركز الاحتجاز، رن هاتف حسام مجدداً.
رد حسام بسرعة، لكن ملامح وجهه المرتخية تحولت فجأة إلى الجمود الشديد، وبدأ يحرك رأسه بالنفي وهو يستمع للطرف الآخر على الخط.
“في إيه يا حسام؟” سألت سارة بصوت بائس خائف من أن تفاجأ بكابوس جديد.
أنزل حسام التليفون من على أذنه، وبص لها بنظرة غامضة وهو يحاول استيعاب ما قيل له للتو: “سارة.. المباحث في بيت أحمد دلوقتي بيفتشوا خزنة شقتكم السريعة… ولقوا فيها حاجة غير متوقعة تماماً، حاجة تخص بابا الله يرحمه… وصية ثانية خالص مكتوبة بخط إيده وبصمته، ومكتوبة بتاريخ قبل وفاته بـ أسبوع واحد بس!”
سكن الصمت الغرفة لجظات، وكأن الزمن توقف تماماً. النظر إلى وجه حسام المشدوه كان كفيلاً بإعادة سارة إلى حالة من الذهول. وصية ثانية؟ بخط يد والدها وقبل وفاته بأسبوع واحد فقط؟
أمكك حسام بيد سارة وشَدّ عليها بقوة، وقال بنبرة تتأرجح بين الدهشة والصدمة: “سارة، النيابة أمرت بفتح الخزنة بوجود قوة المباحث. بابا الله يرحمه ما كانش غافل زي ما كنا فاكرين.. بابا كان شاكك في مراد وسامح من زمان، وعارف إن أحمد عينيه على التركة!”