حكاية نور ٢

انهمرت الدموع من عيني سارة، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف أو انكسار، بل كانت دموع دهشة وارتياح. استكمل حسام وهو يقرأ نص الرسالة الواردة له من ضابط المباحث: “بابا كتب في الوصية الأخيرة إن كل ممتلكاته والعقارات والمصنع محبوسة في ‘وقف أهلي’ باسمك إنتي وعيالك فقط، وما يحقش لأي زوج أو قريب التصرف فيها أو بيعها أو حتى توكيل أي محامي عليها! وبابا أودع النسخة دي في الخزنة السرية اللي محدش يعرف مكانها غير أحمد.. أحمد كان عارف بالوصية دي، وكان بيحاول يخليكي تمضي على تنازلات وإقرارات تلغي الوقف ده قبل ما الوصية تظهر للعلن!”

في تلك اللحظة، أدركت سارة العظمة التي كان عليها والدها؛ لم يتركها فريسة للذئاب، بل وضع لها حماية قانونية إلهية تُبطل كل المخططات والتزويرات التي أعدها مراد وسامح وأحمد على مدار سنوات.

بعد مرور ثلاثة أشهر…

كانت قاعة محكمة جنايات الجيزة مكتظة على آخرها. الوقار يلف المكان، وأصوات الهمسات تتصاعد هنا وهناك. في القفص الحديدي المظلم، كان يقف أحمد، ونرمين، ومراد المحامي، وسامح ابن العم. أربعة وجوه شاحبة، انكسرت فيها كل ملامح الغرور والطمع، يرتدون ملابس السجن البيضاء، والأغلال تكبل أيديهم.

على الجانب الآخر، كانت تجلس سارة بكامل أنقاطها وقوتها، يحيط بها أخوها حسام وطفلاها اللذان ابتسما لها بحب. لم تعد سارة تلك المرأة الضعيفة المغيبة التي تشرب السم كل ليلة وهي تبتسم لقاتلها.

ضرب القاضي بمطرقته الخشبية لتسود القاعة صمتاً أهلاً بالرعب:

“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:

أولاً: بسجن المتهم الأول ‘أحمد’ والمتهمة الثانية ‘نرمين’ بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً، للشرك في الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، ودس المواد السامة.

ثانياً: بسجن المتهم الثالث ‘مراد’ والمتهم الرابع ‘سامح’ بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، عن تهم التزوير في أوراق رسمية واستعمال محرر مزور والتآمر والتلقين.

ثالثاً: إلغاء كافة العقود والتنازلات المشبوهة، وإثبات صحة الوصية الأخيرة للراحل صالح وتطبيق شروط الوقف الأهلي لحماية حقوق سارة وأبنائها.”

صاحت القاعة بالتهليل، وسقطت دموع الفرح من عيني حسام وهو يحتضن أخته. أما في القفص، فقد انهارت نرمين وهي تبكي بحرقة، بينما انطوى أحمد على نفسه وعيناه لا تفارقان وجه سارة، يحاول البحث عن سارة القديمة التي كان يستغفلها، فلم يجد سوى امرأة صلبة تحيط بها هالة من النصر والكرامة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *