سلفتي كانت بتزورني ٢

وقفت مكانتي والورقة في إيدي، وبصيت لسامح اللي كان العرق بينزل من وشه زي المطر. لحظة صمت قاطعة مرت بيننا، الموظف في الشهر العقاري بص لنا باستغراب وقال: “في حاجة يا فندم؟ هتبصم ولا في مشكلة؟”

مسكت إيد سامح بقوة، وعصرتها لدرجة إنه اتوجع، وقلت له بنبرة أبرد من الموت: “ابصم الأول يا سامح.. سحر تنزف، تموت، تولع، ده ما يخصنيش. أوراقي وحقي يرجعوا كامليين، وبعدها نروح نشوفها لو تحب.”

سامح كان مسلوب الإرادة تماماً، خايف مني أكتر ما هو خايف من الموت نفسه. حط إيده على البصامة، وبصم على كل أوراق التنازل عن الشقة، والأرض، وتنازل كامل عن حضانة الولد، ورسائل الطلاق الرسمية. الموظف ختم الأوراق وختم الدولة اتطبع عليها. في اللحظة دي بس، حسيت إن روحي ردت لي، وإن الغشاوة اتزاحت عن عيني. أخدت أوراقي وحطيتها في شنطتي بثقة، وبصيت لسامح وقلت له: “يلا بينا على المستشفى.. نشوف الست الغالية جرى لها إيه.”

وصلنا المستشفى المركزية، والجو هناك كان يخنق. أطباء طالعين وداخلين، وصوت أجهزة القلب بره الأوض بيصفر. لقينا محمود قاعد على الأرض في الصالة، هدومه متقطعة، وعينيه زايغة، وإيديه مالياها الدم الجاف. أول ما شاف سامح وشافني، قام وقف بالراحة، بس ما اتحركش المرة دي.. كان شكله مكسور كأنه كبر عشرين سنة في ليلة واحدة.

سامح قرب منه وهو بيرتعش: “محمود.. إيه اللي حصل؟ سحر جرالها إيه؟”

محمود بص لسامح ونطق بصوت حشرجة ميتة: “كانت بتهرب مني في الفجر.. أخدت عربيتي وجريت بيها على الطريق السريع وهي بتصرخ. تريلا طارت فيها.. العربية اتقلبت بيها ثلاث مرات. الدكاترة جوه بيحاولوا يجمعوا اللي فاضل منها.”

في اللحظة دي، خرج الدكتور من أوضة العمليات، وشه كان قطع رسمية من التجهم. مسح جبينه وبص لنا: “مين قرايب المريضة سحر؟”

محمود وسامح قربوا منه في نفس الوقت. الدكتور قال بنبرة جافة: “الإصابات بالغة جداً.. كسر في الجمجمة، ونزيف داخلي، وشلل كامل في الطرفين السفليين. إحنا أنقذنا حياتها بالعافية، بس الست دي مش هتمشي على رجليها تاني أبداً، ولا حتى هتقدر تتكلم.. مراكز النطق عندها اتدمرت.”

سامح وقع على الكرسي ومش قادر يتنفس، ومحمود غطى وشه بإيديه وقعد يضحك ضحكة هستيرية مرعبة. أما أنا.. فمشت بخطوات هادية ناحية الأوضة اللي سحر كانت محطوطة فيها على الأجهزة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *