اختي صفاء حكايات امانى السيد ٢

في صبيحة اليوم التالي، كانت قاعة المحكمة باردة بشكل يقبــ,,ـــــض النفوس، وصوت الخطوات يتصاعد بين الطرقات كأنه دقات ساعة تعلن اقتراب الحساب. حضرتُ متأخراً دقائق، وجلستُ في المقاعد الخلفية وجسدي يعتصر هماً. وبعد لحظات، دخلت “هدى”.

لم تكن ترتدي عباءتها القديمة المبتلة بدموع القهر، ولا وشاحها البسيط الذي طالما استحقره كبريائي. كانت ترتدي طقماً رسمياً أنيقاً وبسيطاً، تفصيل يدوي متقن من صنع أتيليهها الجديد، وخطواتها ثابتة، وعيناها مرفوعتان برأس شامخ لم أعهده فيها طوال سنوات زواجنا. كان يجلس بجانبها محاميها وأخوها “أحمد” الذي ينظر لي بنظرات ثاقبة هادئة، بينما جلستُ أنا بجوار محاميّ ومروة التي أصرت على الحضور “لتشهد نهاية هذه المهزلة” كما أسمتها، وبجانبها أختي “صفاء” التي كانت تتخفى وراء نظارتها الشمسية وتحاول إظهار التماسك والتعالي رغم ارتباكها الواضح.

بدأت الجلسة، وقدم محامي هدى المستندات: الفواتير التي تثبت أرباح أتيليهها وتكفلها التام بمصاريف الأولاد خلال الأشهر الماضية، والشهادة الطبية للطفل يوم العزومة الشهيرة، بالإضافة إلى شهادات جيران الكومباوند وزملائي في الشركة ممن شهدوا بتقصيري وإهاناتي المستمرة لها وإهمالي التام لبيتي بعد زواجي الثاني. حاول محاميّ أن يدفع بأنني مهندس ذو دخل ممتاز وأنني يوفر لها وللأولاد الحياة الكريمة، لكن محامي هدى وقفت برزانة وقدمت للقاضي تسجيلات صوتية ورسائل نصية كنتُ أرسلتها لها بنفسي، أهددها فيها بقطع المصاريف إن لم تتأدب وتعرف “حجم مؤهلها ومستواها”.

في تلك اللحظة، نظرتُ إلى صفاء أختي.. كان وجهها يحمر خجلاً وصمتاً، ومروة بجانبي تتململ في تأفف وقرف وهي تمسح شاشتها وتهمس لي بحدة: “أنت إيه التسجيلات المتخلفة دي؟ أنت عريتنا قدام القاضي!”. وقف القاضي، وبعد مداولة قصيرة، نطق بالحكم: “حكمت المحكمة تطليق المدعية ‘هدى’ طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بجميع حقوقها الشرعية من مؤخر وصداق، والتكفل الكامل بنفقة الأولاد الملبس والمأكل والمشرب والمأوى، ونقل حضانة الطفلين لأمهما مع إلزام المدعى عليه بتوفير أجر مسكن مناسب لهما أو الاستمرار في دفع إيجار مسكنهن الحالي بالحارة”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *