اختي صفاء حكايات امانى السيد ٢
في يوم الأحد، وهو موعد رؤية الأولاد القانوني في نادي قريب من منطقتهم، كنت أصل قبل الموعد بساعة كاملة. أقعد على الدكة وأنا ماسك في إيدي أكياس فيها لعب ولبس جديد جايبه بدم قلبي ومن قوت يومي، بس عشان أشوف ابتسامة مريم وأخوها. ولكن الشوق والألم كانا أكبر من أن ينتظرا موعد الرؤية الأسبوعي. في مسائي الأخير، وبعد أن جمعتُ مؤخر الصداق كاملاً ونفقة الشهور القادمة،سرتُ بقدَمين ثقيلتين نحو الحارة. لم أعد أستحي من الدخول إليها، بل أصبحت أراها المكان الوحيد الذي يحتوي على أناس حقيقيين يعرفون معنى النخوة والكرامة.
كان الأتيليه قد توسع وأصبح “شركة صغيرة للتطريز والملابس الجاهزة”، فيه لوحة مضيئة كبيرة يحمل اسمها، وسيارات نقل صغيرة تحمل البضائع للمحلات الكبرى. هدى لم تعد مجرد صاحبة مشروع بسيط، بل أصبحت قصة نجاح تتحدث عنها المنطقة كلها، وست بيت بدرجة “سيدة أعمال” نجحت بجهدها وعرقها ودون أن تحتاج لشهادة هندسة أو لفضل من أحد. وقفتُ أمام باب الأتيليه، وطلبتُ من أحد العمال أن ينادي لي “المعلم أحمد” أخاها. خرج أحمد، ولما رآني، لم يعد في عينيه ذلك الغضب الأول، بل كانت فيهما نظرة شفقة وهدوء أشد قسوة من أية خناقة.
قلتُ له بنبرة مكسورة ورأس منخفض: “يا معلم أحمد.. أنا جاي أسلم الأمانة دي، دي باقي الحقوق والمؤخر.. وأنا مش جاي أعمل مشاكل والله، أنا جاي بس أطلب طلب واحد وأتمنى متكسرنيش فيه”. أحمد أخذ الظرف وهز رأسه بوقار: “حقوقها وصلتك وربنا يعوض عليك يا كريم.. اتفضل، عايز إيه؟”. قلتُ والدموع تخنق صوتي: “عايز أقعد مع هدى خمس دقائق بس.. قدامك وقدام الناس كلها، أقولها كلمتين في صدـ,,ـــري ماشيين معايا زي النــ,,ـــــار، وبعدها أوعدك مش هتشوفوا وشي تاني أبداً إلا في حدود الأولاد والقانون”.
أحمد نظر لي طويلاً، ثم التفت ونادى على هدى. خرجت هدى من مكتبها الداخلي. كانت ترتدي ثوباً وقوراً، وتبدو أضخم وأعظم بكثير من تلك المرأة التي كنت أستضعفها وأحسبها “مضمونة”. وقفت على بُعد خطوات، ونظرت إليّ بهدوء تام خالي من أي انفعال. بلعتُ ريقي وقلتُ بصوت يرتجف:
“هدى.. أنا مش جاي أترجاكي ترجعي، ولا جاي أقولك سامحيني؛ لأن اللي عملته فيكي مبيتسامحش.. أنا جاي أقولك إني كنت أعمى، وكنت غبي، وكنت فاكر إن الشهادة والمظاهر والفلوس هما اللي بيصنعوا البني آدم. أنا شفت الويل في غيابك، وعرفت إن القيمة الحقيقية كانت فيكي أنتِ، في أصلك ونظافتك وصبرك عليا.. صفاء أختي ومروة والكومباوند والشهادات كانوا مجرد قشور فارغة، وأنتِ كنتِ الجوهر اللي أنا رميته برجليا في التراب”.